زاد المؤمنين – الإيمان بوجود الله تعالى-جزء 1

♦ قال ابن عثيمين رحمه الله : « قد دل على وجوده تعالى: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.

1 – أما دلالة الفطرة على وجوده : فإن كل مخلوق قد فُطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ). رواه البخاري.

2 – وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لا بد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.

لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقا؟

ولا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاً أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظماً حال بقائه وتطوره؟

وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.

وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال: ﴿ أم خُلِقُوا  من غير شَيْءٍ أم هم الخالقون ﴾ يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى، ولهذا  لما سمع جبير بن مطعم رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات: ﴿ أم خُلِقُوا من غير شَيْءٍ أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ﴾ وكان جبير يومئذ مشركاً؛ قال: « كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي » رواه البخاري مفرقاً.

ولنضرب مثلاً يوضح ذلك، فإنه لو حدثك شخص عن قصر مشيد، أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، ومليء بالفرش والأسرة، وزين بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك: إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثه سفهاً من القول، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه، وسمائه، وأفلاكه، وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟!

3 – وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى: فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به.

4 – وأما أدلة الحس على وجود الله فمن وجهين:

أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: ﴿ ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له

وقال تعالى: ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ﴾ وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أعرابياً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا ، فرفع يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا فرفع يديه وقال: ( اللهم حوالينا ولا علينا ) فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت ».

وما زالت إجابة الداعين أمرا مشهوداً إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.

الوجه الثاني: أن آيات الأنبياء التي تسمى « المعجزات » ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى، تأييداً لرسله ونصراً لهم.

مثال ذلك آية موسى عليه السلام حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق اثني عشر طريقاً يابساً، والماء بينهما كالجبال، قال الله تعالى: ﴿ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم

ومثال ثان: آية عيسى عليه السلام حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله، قال الله تعالى عنه: ﴿ وأحيي الموتى بإذن الله ﴾، وقال: ﴿ وإذ تُخْرِجُ الموتى بإذني

ومثال ثالث لمحمد صلى الله عليه وسلم حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿ اقتربت الساعة وانشـق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾،

فهذه الآيـــــــــــــــــات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييداً لرسله، ونصراً لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى ».

♦ قال ابن تيمية رحمه الله: « الإقرار بالله قسمان: فطري وإيماني؛ فالفطري : وهو الاعتراف بوجود الصانع ثابت في الفطرة كما قرره الله في كتابه في مواضع وقد بسطت القول فيه في غير هذا الموضع فلا يحتاج هذا إلى دليل؛ بل هو أرسخ المعارف وأثبت العلوم وأصل الأصول »

وقال ابن تيمية رحمه الله أيضاً: « وكل مولود يولد على الفطرة فالقلوب فيها أقوى الأسباب لمعرفة باريها والإقرار به »

♦ قال الطرهوني بتصرف يسير: « وليسَ إرسالُ الرُّسُلِ بأمرٍ حتْمِيٍّ حتى تقومَ حجةُ الله على عباده، وإنما هو تفضُّلٌ منه سبحانه، لأن حجَّتَه قائمةٌ بما أخذَ على العبادِ قبلَ أن يولَدوا من الميثاقِ بأنه ربُّهم، وبما أَوْدَعَ في كَوْنِه من دلائِلَ على وحدانيَّتِه سبحانه، وبما مَنَحَ الإنسانَ من نعمةِ العقلِ التي تدُلُّه على وجودِه سبحانه وتعالى وتفردِّه بخلقِ هذا الكون، قال تعالى: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون

وقال تعالى: ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت  فذكر إنما أنت مذكر

وقال تعالى: ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون

ولكنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ العذرَ من نفسه، ثم هو يريدُ أن يَشْرَعَ لخلقِه الشرائِعَ، ويطلبَ منهم العباداتِ ، ليجزيَ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءته، ولهذينِ الأمرينِ أرسلَ الله رسلَه وأنزلَ كتبَه وقال تعالى:

﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيــزاً حكيــماً

وعن المغيرةِ رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا أحدٌ أحبُّ إليه العذرَ من الله ، ومن أجلِ ذلك بعثَ المبشِّرينَ والمنذرين ) [ أخرجه البخاري ]

وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( وليسَ أحدٌّ أحبَّ إليه العذرُ من الله ، من أجل ذلك أنزلَ الكتابَ وأرسلَ الرسلَ ) [ أخرجه مسلم ]

فكانت بعثَتُه صلى الله عليه وسلم إحدى هذه الرسالاتِ من الله تعالى إلى عبادِه، تفضَّلَ عليهم بها عندما نظرَ إلى أهلِ الأرضِ عربِهم وعجَمِهم فمَقَتَهم إلا بقايا من أهلِ الكتابِ كما تقدَّم ذكرُه من حديثِ عياضِ بنِ حمارٍ فختَمَ الله بها الرســالاتِ، وأكملَ بها الشرائعَ، والحمدُ لله على كرَمِه، وله المنةُ والفضلُ على خلقه ».

♦ قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ﴾:

« يقول تعالى محتجاً على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿ كيف تكفرون بالله ﴾ أي كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره، ﴿ وكنتم أمواتا فأحياكم ﴾ أي وقد كنتم عدماً فأخرجكم إلى الوجود ».

♦ قال الشعرواي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ﴾:

« قضية لا تحتمل الجدل، ربما استطاعوا المجادلة في مساءلة عدم اتباع المنهج، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل، ولكن قضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم، ولم يدع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه، وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للناس أن الذي خلقكم هو الله، لم يستطع أحد أن يكذبه ولن يستطيع؛ ذلك أننا كنا فعلاً غير موجودين في الدنيا؛ والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا وأعطانا الحياة ».

♦ قال بعض أهل العلم في تفسير قوله تعـــالى: ﴿ قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ﴾:

« هذا يحتمل أحد أمرين:
الأول: أفي وجوده شك؟! فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطَر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده؛ ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفتـه بأنه ﴿ فاطر السماوات والأرض ﴾ الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه.
الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟! وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له؛ فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى ».

 

 

 

 

Advertisements

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s